ابن حزم
41
رسائل ابن حزم الأندلسي
فهناك صديق كلفه ان يؤلف " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأعراضه وأسبابه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " ن ولكن من السذاجة أن نظن بان الحافز لذلك كان حافزاً واحداً بسيطاً ، وأن امرءاً ( فقيهاً ) يكتب رسالة في الحب وهو يستشعر " نبو الديار ، والجلاء عن الأوطان ، وتغير الزمان ، ونكبات السلطات ، وتغير الاخوان ، وفساد الأحوال ، وتبدل الأيام ، وذهاب الوفر ، والخروج عن الطارف والتالد ، واقتطاع كاسب الآباء والأجداد ، والغربة في البلاد ، وذهاب المال والجاه ، والفكر في صيانة الأهل والولد ، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل ، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار " - أن امرءاً على هذه الحال إنما اندفع إلى ذلك بتوجيه حافز بسيط بل أقدر انه قد وجد ولابد حوافز أخرى لكتابة هذه الرسالة ، وما كانت تسلية الصديق إلا انقداح الشرارة الأولى ، التي بعثت الماضي كله حياً في نفسه . وفجأة انتقل الأمر من تسلية الصديق إلى تعزية النفس : فابن حزم الذي كان في حاضره حينئذ يفكر " في صيانة الأهل والولد " وفي الحصول على الرزق له ولهم ، كان يريحه أن يعود إلى الماضي ، لأنه لا يمثل الحب وحسب ، بل يمثل المجد والجاه والغنى والراحة والحياة الرغيدة ولهو أيام الطلب ، ولذة المحادثة مع الأخوان " قبل أن يغيرهم الزمان " ؛ لقد تركته تجاربه الكثيرة بين علو وانحدار يحس بوطأة العمر رغم أنه لم يقطع من حبل العمر إلا نصفه ، أصبح " شيخا " في إحساسه ، فهو يريد أن يصرف عنه هذا الإحساس ؛ وكان شاعراً وجدانياً ، وهوذا يتحول متكلماً عقلانيا ، فهو يريد أن يخلد شعر فترة الشباب والصبا في كتاب ، وهو قد عرف الناس وخبر نفسياتهم ، وأدرك مدى سيطرة الحب على نفوسهم ، فليس هو وصديقه اثنين من أولئك الناس وحسب ، يرضيهما أن يكونا في انسجام مع نماذج عديدة تعرضت لما تعرضا له ، بل إن ابن حزم ينفرد عن صديقه ثم عن سائر الناس بأنه يستطيع أن يستوعب تلك التجارب ، وأن يخضعها للدراسة والتحليل ، ليتجاوز بها